المقريزي

215

المقفى الكبير

كلفة كبيرة ، فنقل بني سنبس من الداروم « 1 » بفلسطين ، وكانوا قد ثقلت وطأتهم بتلك الأعمال وصعب أمرهم ، فعدّى بهم إلى البحيرة ، وهم أعداء قيس ، وأوطأهم ديارهم وأقطعهم أرضهم ، فامتحى اسم بني قرّة . وكان تجهيزة العساكر لبني قرّة في شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة ، وتسييرهم في مستهلّ شوّال . فخطّأه الناس كلّهم وغلّطوه في فعله وحكموا بأنّه لم يجرّد قطّ عسكر في شوّال فظفر ، وأنّهم لا يأمنون على العسكر أن ينهزم وينكسر . وكان شمس الدولة « 2 » [ إليه ] زمّ القصور والخدمة في الرسالة ، وهو أيضا زمام الأتراك والقيصريّة ، وليس في الدولة من يجري مجراه جلالة ، وبينه وبين الوزير مباينة شديدة ، ويتوقّع له الشرّ ويتربّص به الدوائر . فصار ينتظر انهزام العسكر ليقبض عليه ، والأقدار تؤيّده بالسعادة العظيمة . فلمّا أراد أن يسيّر العسكر من الجيزة رتّب على الميمنة سنان الدولة ابن جابر ، وعلى الميسرة حصن الدولة حيدرة بن منزوي ، وجعل في القلب ناصر الدولة ابن حمدان ، وهو المقدّم عليهما . وقرّر معه أن يكون اللقاء في يوم الخميس الخامس من شوّال ، بطالع تخيّره له . وبعث معه عدّة من طيور الحمام ليطالعه بما يكون منه ومنهم يوما بيوم . فلمّا كان اليوم الذي تقرّر فيه اللقاء ، جلس الوزير في داره وهو شديد القلق كثير الاهتمام بأمر العسكر ، واحتجب عن الناس لشغل سرّه بهذا الأمر . وجلس ينتظر سقوط الطائر بما يكون . فلم يزل كذلك إلى الساعة الخامسة من النهار . فقام ليجدّد طهار [ ت ] ه وعبر بالبستان ، وقد أطلق الماء في مجاريه ، فرأى ورقة تمرّ على وجه الماء فأخذها متفائلا بها فوجدها أوّل كتاب كان وصل من القائد فضل إلى الحاكم بأمر اللّه ، قد ذهبت طرّته وعنوانه وبقي صدره ، وهو : كتب عبد مولانا الحاكم بأمر اللّه أمير المؤمنين من المخيّم المنصور في الساعة الخامسة من نهار يوم الخميس الخامس من شوّال ، وقد أظفره اللّه عزّ وجلّ بعدوّ اللّه تعالى وعدوّ الحضرة المطهّر أبي ركوة المخذول ، وهو في قبضة الإسار ، والحمد للّه ربّ العالمين . فلمّا وقف على ذلك سجد إلى الأرض شكرا للّه تعالى واستشعر الظفر وعجب من موافقة اليوم وعدّة [ 362 ب ] الأيّام من شوّال والإعلام بالظفر . ثمّ تجهّز للصلاة ، فما فرغ حتى سقط الطائر بانكسار بني قرّة وانهزامهم وبما منّ اللّه تعالى به من الظفر بهم ، فأخذ الكتاب والورقة التي وجدها في الماء وركب إلى القصر ودخل إلى الخليفة المستنصر باللّه وأوقفه على الكتاب ، فسرّ وابتهج . وأراه الورقة التي وجدها في الماء ، وقال : هذا أعجب يا أمير المؤمنين - وحدّثه حديثه . فعجب من هذا الاتّفاق ، ثمّ تواصلت الأخبار من ناصر الدولة بالبشرى وشرح الحال في الظفر وانهزام القوم . فخلع على الوزير ، وزيد في ألقابه : الناصر للدين ، غياث المسلمين ، فقوي أمره ، وذلّ خائب أعدائه ، وعادوا يتقرّبون إليه بالخدمة ، فأغضى عنهم ولم يؤاخذ أحدا منهم . وقدمت الرؤوس ممّن قتل وأموال كثيرة من أموال أهل البجيرة . [ تخليصه أهل صقلّيّة من الأمراء الكلبيّين ] فلمّا خلا سرّ الوزير من أهل البجيرة ، نظر في أمر مدينة صقلّيّة فإنّ أهلها كانوا يذكر خلافهم ، وكاتبوا ابن باديس صاحب إفريقيّة وملّكوه عليهم ،

--> ( 1 ) بنو سنبس طائيّون . والداروم أو الدارون : قرية بعد غزّة في اتّجاه مصر . ( 2 ) في المخطوط : يمن الدولة ، والإصلاح من الاتّعاظ 2 / 220 .